الشيخ محمد رشيد رضا

138

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

للوجوب . ولنا أن نقول إن أكثر علماء الأمة وأئمة السلف يقولون إن هذه الوصية المذكورة في الآية مشروعة ولكن منهم من يقول بعمومها ومنهم من يقول إنها خاصة بغير الوارث ، فحكمها إذا لم يبطل ، فما هذا الحرص على اثبات نسخها ، مع تأكيد اللّه تعالى إياها والوعيد على تبديلها ؟ إن هذا إلا تأثير التقليد فقد علم مما تقدم ان آية المواريث لا تعارض آية الوصية فيقال بأنها ناسخة لها إذا علم أنها بعدها ، وأما الحديث فقد أرادوا أن يجعلوا له حكم المتواتر أو يلصقوه به بتلقي الأمة له بالقبول ليصلح ناسخا ، على أنه لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به فلم يروه أحد منهما مسندا ، ورواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة وأبي أمامة وابن عباس وفي إسناد الثاني إسماعيل بن عياش تكلموا فيه ، وانما حسنه الترمذي لان إسماعيل يرويه عن الشاميين ، وقد قوى بعض الأئمة روايته عنهم خاصة . وحديث ابن عباس معلول إذ هو من رواية عطاء عنه وقد قيل إنه عطاء الخراساني ، وهو لم يسمع من ابن عباس ، وقيل عطاء بن أبي رباح ، فان أبا داود أخرجه في مراسيله عنه ، وما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح موقوف على ابن عباس ، وما روي غير ذلك فلا نزاع في ضعفه ، فعلم أنه ليس لنا رواية للحديث صححت إلا رواية عمرو بن خارجة ، والذي صححها هو الترمذي وهو من المتساهلين في التصحيح ، وقد علمت أن البخاري ومسلم لم يرضياها ، فهل يقال إن حديثا كهذا تلقته الأمة بالقبول ؟ وقد توسع الأستاذ الامام هنا في الكلام على النسخ ، وملخص ما قاله أن النسخ في الشرائع جائز موافق للحكمة وواقع ، فان شرع موسى نسخ بعض الأحكام التي كان عليها إبراهيم ، وشرع عيسى نسخ بعض أحكام التوراة ، وشريعة الاسلام نسخت جميع الشرائع السابقة ، لان الاحكام العملية التي تقبل النسخ إنما تشرع لمصلحة البشر ، والمصلحة تختلف باختلاف الزمان . فالحكيم العليم يشرع لكل زمن ما يناسبه ، وكما تنسخ شريعة بأخرى يجوز أن تنسخ بعض أحكام شريعة بأحكام أخرى في تلك الشريعة ، فالمسلمون كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم فنسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين .